العلامة المجلسي

307

بحار الأنوار

يكون عبارة عن الضعف أو عن معناه . ورابعها ما حكي أن أبا الحسن الأخفش أجاب به ، وهو أن يكون المراد أن الانسان خلق من تعجيل الامر ، لأنه تعالى قال : " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ( 1 ) " فإن قيل : كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد " فلا تستعجلون " ؟ قلنا : يمكن أن يكون وجه المطابقة أنه لما استعجلوا بالآيات واستبطؤوها أعلمهم تعالى أنه ممن لا يعجزه شئ إذا أراده ولا يمتنع عليه ، وأن من خلق الانسان بلا كلفة ولا مؤونة بأن قال له كن فكان ، مع ما فيه من بدائع الصنعة وعجائب الحكمة التي يعجز عنها كل قادر ويحار فيها كل ناظر لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات . وخامسها ما أجاب به بعضهم من أن العجل الطين ، فكأنه تعالى قال : خلق الانسان من طين ، كما قال في موضع آخر " بدأ خلق الانسان من طين ( 2 ) " واستشهد بقول الشاعر : والنبع يخرج بين الصخر ضاحية * والنخل ينبت بين الماء والعجل ووجدنا قوما يطعنون في هذا الجواب ويقولون : ليس بمعروف أن العجل هو الطين ، وقد حكى صاحب كتاب العين عن بعضهم أن العجل الحمأة ، ولم يستشهد عليه إلا أن البيت الذي أنشدناه يمكن أن يكون شاهدا له ، وقد رواه تغلب عن ابن الأعرابي وخالف في شئ من ألفاظه ، وإذا صح هذا الجواب فوجه المطابقة بين ذلك وبين قوله تعالى " فلا تستعجلون " على نحو ما ذكرناه ، وهو أن من خلق الانسان مع الحكمة الظاهرة فيه من الطين لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات ، أو يكون المعنى أنه لا يجب بمن خلق من الطين المهين وكان أصله هذا الأصل الحقير الضعيف أن يهزأ برسل الله تعالى وآياته وشرائعه ، لأنه تعالى قال قبل هذه الآية : " وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم ( 3 ) " .

--> ( 1 ) النحل : 40 . ( 2 ) ألم السجدة : 7 . ( 3 ) الأنبياء : 36 .